الشيخ عباس القمي

62

منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )

المكارم ومحاسن اخلاق العالم ، ليله ونهاره ، ولقد اتبعته اتباع الفصيل إثر أمّه ، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ، ويأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء ، فأراه ولا يراه غيري ولم يجمع بيت واحد يومئذ بالاسلام غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وخديجة وانا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة وأشمّ ريح النبوة . . . » « 1 » . ( 1 ) وقد روى ابن شهرآشوب والقطب الراوندي وجمع آخر انّه : « ذكرت حليمة بنت أبي ذؤيب عبد اللّه بن الحرث من مضر ، زوجة الحرث بن عبد العزى المضري ، انّ البوادي أجدبت ، وحملنا الجهد على دخول البلد ، فخرجت على أتان « 2 » لي قمراء ، معنا شارف « 3 » لنا واللّه ما تبض « 4 » بقطرة وما ننام ليلنا أجمع من صبيّنا الذي معنا من بكائه من الجوع ما في الثدي ما يغنيه ، وما في شارفنا يغذيه ، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء فما منّا امرأة الا وقد عرض عليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فتأباه وذلك انا ، إنمّا كنّا نرجو المعروف من أبي الصبي ، فإذا برجل ينادي أيتها المرتضعات هل منكن من لم تأخذ طفلا ؟ فقلت من هو هذا ؟ قيل : عبد المطلب بن هاشم سيد مكة ، فذهبت إليه ، فقال لي : من أنت ؟ قلت حليمة من بني سعد فتبسم وقال : بخ بخ خصلتان جيدتان سعد وحلم فيهما عزّ الدهر وعزّ الأبد ، ثم قال يا هذه عندي بني لي يتيم اسمه محمد وأبين المرضعات أخذه ، لأنه يتيم ، وإنمّا يكرم الظئر الوالد فحملته لأنّي لم أجد غيره وذهبت إلى بيت آمنة فلما وضعته في حضني فتح عينه لينظر بهما إليّ فسطع منهما نور فشرب من ثدي الأيمن ساعة ولم يرغب في الأيسر أصلا واستعمل في رضاعه عدلا ، فناصف فيه شريكه فاقبل ثدياي باللبن ، وقام زوجي إلى شارفنا تلك يلمسها بيده ، فإذا هي حافل فحلبها وأرواني من لبنها وروى الغلمان ، فقال : ( 2 ) يا حليمة لقد أصبنا سمة مباركة فحملته على الأتان وكانت قد ضعفت عند قدومي مكة

--> ( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم 192 ، المعروفة بالقاصعة ( 2 ) اتان : أنثى الحمار . ( 3 ) الشارف : الناقة التي قد أسنت / لسان العرب ( ف ) . ( 4 ) تبض : تدر أو تسيل / تبض الناقة أي تدر اللبن / لسان العرب ( ض ) .